إدوارد سعيد … في غربته الأخيرة

بقلم: وسيم دويكات

قسم العلوم المالية والمصرفية

عصفور الشرق المغرِّد في البعيد ، طارَ، وأطلق زغرودته الأخيرة ومضى، ولن يعود الزمن الذي نراهُ يُحلِّق في الأفق من جديد …
حكيم الشرق المغترِب في بلادٍ غيرَ بلادِه، مضى برحلته الأخيرة، وعلى عَربةٍ سوداءَ يجرُّها الموت الأسود والذي يُكنَّى: السرطان. ولستُ أدري كيف واجه أستاذنا الجليل كل تلك الهموم التي واكبتْ ولازمتْ مسيرة حياته، مِن الهجرة الأولى إلى الثانية، إلى القضية الغائبة والمغيبة، وأخيراً إلى الموت الذي كان قريباً منه قُربَ ظِلِّه … هذا الموتُ الذي لم يمهلهُ طويلاً، وفي صمْت وحزن المساء ضرَبَ ضرْبته، واختطفَ مفكِّراً لا يتكرر ومناضلاً لا يُقدَّرُ بثمن…
بتاريخٍ سُجِّل في 25/9/2003 فاضتْ الروحُ إلى بارئها، خاتمةً سنينَ طِوال شكَّلتْ بما تحملهُ من همومٍ ونضالْ حياةَ الفقيد، منذُ عام 1935 حتى لفظتْ الروحُ آخِرَ الأنفاس…
البروفيسور إدوارد سعيد: الفلسطينيُّ أولاً وأخيراً، في المولِدِ والممات.
أستاذُ الأدب المقارَن بجامعة كاليفورنيا بالولايات الأمر يكية المتحدة. هذا المثقف الصلب، هاجَرَ ككلِّ مظلومي العام 1948 من القدس، المكان الذي يهتفُ بعُتْقِ الزمان والإنسان، أظنُّكم جميعاً تعرفونها، كما إنني أراها تسكُنكم وإن كنتم لا تسكنوها. في الأزقَّةِ المعتَّقة بخُضرة الشجر والحجر، والحارات الرطبة الدافئة نما وترعرعَ طفلاً فقيراً كأحسنِ أطفال المشرِق النامي، وعلى جدرانها طَبَعَ كلَّ شقاوة الطفولة ومعاناتها. فيها وُلدْ ومنها هاجرْ، انطلقَ ( تحتَ تهديد الخوفِ والسلاح ) حاملاً حقيبة سفَرِه إلى المنافي البعيدة، وفي بلادٍ لا يعرفها ولا تعرفه، بنى بيتَ الاغتراب الجديد. من تلك الحقيبة أفرَغَ ملابسهُ وحاجيَّاته، وأفرغَ أيضاً قضيةً هاجَرَتْ قسراً معه، وهرَّبها خِلسةً عبْرَ تلك الحدود الطويلة والتي تسلبُ حياتنا كجزية على انتمائنا لأنفُسنا و" للوطن "، حملها بعيداً عن مجسَّات الجسور التي تصادرُ كلَّ قطعةٍ من " الوطن ". هذه القضية التي أشغلتْ فكر أستاذنا الجليل طيلة حياته، في الدراسة والعمل، في الأدب والمناقشات، كانت سلاحه الأمضى لمواجهة المجتمعات الغربية المحكومة بالنظرة الفوقية التي تخرج من إطار الحق والموضوعية، والمحكومة أيضاً بالكذب الصهيوني ومصالحه. راحَ ينشرُ في جهلِ أهلها الوعيَ، فضَّلَ إشعال الشمعة بدلاً من لعنة الظلام، راحَ يُزيل الغشاوة التي رانتْ على قضية الشعب الفلسطيني العادلة، الذي يُعاني اليومَ " الهولوكوست " الحقيقي على أيدي النازيين الجُدُدْ.
شكَّلت كتُبُهُ ومحاضراته انقلاباً في أوساط المثقفين الغربيين، حتى كوَّنَ مجموعة من الأصدقاء المفكرين الذين لا يستهانُ بقدرتهم وعملهم من أجلِ الحق الضائع، وعادت للقضية المشوَّهة صورتها الحقيقية على يده، حتى قال أحد الكُتَّاب في رثائه: وُلدت القضية الفلسطينية في العالم الغربي تحتَ قلمه. حقاً كان مولِّداً وراعياً لها في الغرب ، وهكذا نقلها… بكفَّينِ وقلم… لا بالصورايخ العابرة للقارات بفكرِه… لا بالفاكس والكاميرات والإنترنت.
لم ينسَ إدوارد سعيد وهو يحيا وسْطَ المجتمع الأمريكي، أنَّ أميركا من خلَقَ ما يسمى ب (إسرائيل) وأول من اعترفَ بها، تماماً كما أنَّه لم ينسَ يوماً أنَّ (إسرائيل) هي التي أجبرتْهُ وأجبرت الآلاف على مغادرة بلادهم تحتَ تهديد السلاح، لذلك يقولُ في إحدى صفحات كتابه "بلا مكان" الذي سجَّلَ فيه ذكرياته: ازدادَ حزني كلما ازدادت أمريكيتي، وصمَّمْتُ على محاربة هذه الأمركة، أجل لم يكن مهاجراً معتنقاً لمبادئ أمريكية، بل كان يحملُ في جعبته تراث حضارةٍ عريقة، وأتى أميركا بفكرِهِ فاتحاً كالفرسان.
هاأنا أستاذي الجليل، أكتبُ لروحك المسافرة، وأنتَ تبعُدُ عني مئاتِ الأميال في الأرض وفي السماء، لكني أشعرُ بقربكَ الشديدِ مني، وكأنك فردٌ من أفراد العائلة أو أحد الأصدقاء قد ارتحل، فحزنتُ جداً، وهذه هي عظمتكَ دائماً، لا تجعل للمسافات اعتبار حيثُ عشتَ الوطن في المهجر، ربما هي فلسفة وربما هي القسوة، لكن حتماً هي الحقيقة.
أكتبُ إليكَ في غربتك الأخيرة، وإن كنتَ لا تسمعني، حيثُ إني أشعرُ بكَ وحيداً، ما مِن أحدٍ يسير في موكبكَ الأخير أو يضعُ وردةً على ضريحك. أشعرُ أن كثيرين يتنكرونَ لتاريخك النضالي ( بقصد أو بغير قصد ) حين يقولون أنهم لا يعرفون إدوارد سعيد، أو أنَّ أحدهم لم يقرأ فكرك يوماً.

 أكتبُ وفي القلب حزنٌ على الرحيل، وفي النفسِ عِتابٌ على الموت الذي لم يمهلكَ مزيداً، آملاً أن تتقبَّلَ هذه الكلمات مني كبطاقة تضامنٍ وتأييدٍ لفكرك الخالد، أو كرتَ عزاءٍ لك ولذويك ( الذين أسأل لهم الله الصبرَ والسلوان ).
رحلْتَ… رحلتْ يا أبا وديع، وبقيت كتبكَ التي تحوي فكرك صدقةً جارية للقضية التي ناضلتَ من أجل عدالتها، وللفلسطينيين ولكل الشرفاء الذين عشتَ مفكِّراً من أجل أمانيهم المقدَّسة نم قرير العين يا دُرَّةَ العيون في مرْقدك الأخير…
عليك الرحمة.

- عودة الى الصفحة الرئيسية -