د. عبد الستار قاسم

في خضم الحديث عن المقاطعة العربية للولايات المتحدة يأخذ المحدثون في اعتبارهم عددا من المعايير التي يقيسون حسبها الجدوى والمنافع. يضع المحللون في الحسبان الهيمنة الأمريكية العسكرية وتغلغل المخابرات الأمريكية والدعم المالي والقدرة على التحكم في بعض الأمور العربية عن قرب وعن بعد، الخ. من بعض المعايير المتعددة والذي من الضروري أن يوضع في الاعتبار معيار في غاية الأهمية وهو الزحف الأمريكي على المثقفين العرب، أو محاولة الولايات المتحدة تطويع بعض المثقفين العرب بطريقة يخدمون فيها أهدافها ومصالحها دون أن تتملكهم مشاعر الخيانة أو التبعية.
من الملاحظ أن المراكز غير الحكومية والمدعومة أمريكيا قد تزايدت أعدادها في العقد الأخير في أغلب أقطار الوطن العربي. أغلب هذه المراكز تهتم بقضايا مطروحة عالميا الآن مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وبعث المرأة، وهي تدار من قبل مثقفين يحمل عدد كبير منهم شهادات الدكتوراه أو الماجستير. هذه مراكز موجودة الآن في المغرب العربي وفي المشرق وبتركيز كبير في دول مثل المغرب وتونس ومصر وفلسطين. تمويلها من الخارج بخاصة من الولايات المتحدة وتعيينات المسؤولين فيها تتم من الخارج، وتوظيف العناصر يتم حسب معايير خاصة لا تتعارض مع الأهداف التي يتم تحديدها من الخارج.
تبدو هذه المراكز مدافعة عن قيم إنسانية وُمثل رفيعة علما بأن الدول الممولة لها مارست القمع والقهر ضد الإنسان العربي وما زالت تمارسها. الولايات المتحدة الأمريكية تنهب الثروات العربية التي هي حق للمواطن العربي، وهي التي تسلح إسرائيل وتصر على هيمنتها العسكرية في المنطقة وتلحق بذلك الهزائم والإذلال بالإنسان العربي الذي تحاول مراكزها أن تقول لنا أنها تعمل على تحريره. وهي التي تحاصر عددا من الأقطار العربية فتمنع التقدم والازدهار وتقتل الأطفال، والتي تدعم أنظمة عربية استبدادية تقمع شعوبها. تمارس الولايات المتحدة أعمالا قهرية مرعبة ضد الإنسان العربي في ذات الوقت الذي تدعي أنها تحرص على حرية التعبير وانبعاث المرأة وعلى كيان الإنسان وتكامله الذاتي.
من الصعب النفي بأن الولايات المتحدة تنفق أموالا في سبيل التنظير لقيم تخص الإنسان ومن أجل تطبيقها، لكن الإنفاق يبقى ضمن دائرة مصالحها. تقتضي مصالح الترويج لفكرها الخاص أو لذلك الفكر الذي يرسخ المنهج الأمريكي في الحياة، والذي من شأنه تعميم الفكر الأمريكي أو (إن شاء أحد) الذي يمكن تسميته بالرأسمالية الليبرالية. وإذا تم ذلك فإن الولايات المتحدة تكون قد خدمت مصالحها بصورة جذرية وراسخة من حيث أنها تكون قد دخلت إلى عقول الناس وليس مجرد سلوكهم اليومي. قد لا يكون السلوك اليومي نتاج فكر ويبقى عرضة للتغيير السريع، أما الفكر فيكرس سلوكا لا يسهل تغييره. وهذا بالضبط ما تسعى إليه الولايات المتحدة.
تمكنت الولايات المتحدة على مر العقود التي خلت أن تصول وتجول في الوطن العربي وتفرض هيمنتها إلى حد كبير وتنهب ما تشاء وتترك لأهل المنطقة ما تشاء. لكن هذه الهيمنة تبقى معرضة للزوال في حال صحوة الإنسان، أو في حال تصاعد الوعي بالاستغلال الأمريكي والذي يؤدي في النهاية إلى نوع من التمرد والإصرار على الندّية في التعامل أو الاستقلال الحقيقي. الهيمنة تبقى مؤقتة إذا اقتصرت على الأرض أو الثروات، وهي لا تدوم إلا إذا امتدت إلى الإنسان. الأرض والثروة يحررهما الإنسان في انطلاق وعيه، لكنهما لن يتحررا إذا كان المالك عبدا. فحتى تدوم الهيمنة على المقدرات العربية لا بد من السيطرة على عقل الإنسان وطرق تفكره وتعقله.
الوسيلة المثلى نحو ذلك الهدف هي القبض على عقول المثقفين والمفكرين بحيث يصبحون أدوات الفكر الغربي أو الأمريكي في المنطقة ويعملون بالتالي عل بث تدريجي لمنهج حياة منسجم مع هذا الفكر. فإذا تولدت قناعات فكرية بأن الرأسمالية الليبرالية هي نهاية التاريخ وهي القدر المحتوم للتطور الإنساني فإن الهيمنة على المقدرات العربية تتوقف عن كونها هيمنة لتصبح جزءا من المنطق الإنساني الذي يعبر عن أفضل ما توصل إليه الإنسان من نظم.
ولهذا فتحت الولايات المتحدة بعض خزائنها ومولت بعض المثقفين والمفكرين العرب لفتح مراكز أبحاث ودراسات تخص الفكر الديمقراطي وحقوق الإنسان والمرأة. القضايا تبدو براقة وجذابة للعربي الذي عانى من القهر والكبت على مختلف المستويات عبر مراحل طويلة من تاريخه، ومن السهل دخول المجتمع من خلالها. وقد أغدقت الإدارة الأمريكية الأموال التي بدت مغرية لعدد لا بأس به من المثقفين فأقبلوا عليها وبتفسيرات تستند على مصلحة الشعب وتثقيفه حول حقوقه كإنسان وحول محاسن الديمقراطية وما يصاحبها من حرية رأس المال. وقد أخذ الإقبال في بعض الأقطار العربية سمة السباق والتنافس من خلال تلّبس القيم التي يرغب الممول في ترويجها وإشباعها في الناس.
حتى أكون واضحا من الضروري الإشارة إلى أن استعباد العربي وكبت حريته من خلال أنظمة حياته المختلفة تفتح الأبواب أمام هذا الغزو الأجنبي. أي أنني لا أقول أن الوضع العربي جيد ونحن العرب لسنا بحاجة إلى من يعلمنا الحرية واحترام الآخرين، وإنما أوكد أننا نحن نصنع بأيدينا مأساة تقود إلى اغتراب الإنسان فتلقيه في أحضان الآخرين. يعاني العربي من القمع الاجتماعي والسياسي والكهنوتي، ويندر ان يعيش لحظات يشعر فيها بحريته. والحال هكذا، وجد الآخرون ثغرات يحققون من خلالها مصالحهم على حسابنا فكريا وعاطفيا وماديا.
أقام عدد من المثقفين مراكز لا تؤمن في عملها الداخلي بحرية الإنسان ولا بالديمقراطية، ولا يصر الذين يمولوها على تطبيق القيم التي أرادوا الترويج لها. ففي عملها الداخلي، تعتمد هذه المراكز الوساطات والمحسوبيات في الوظائف وتفضل نوعية معينة من الناس حسب مقاييس الممولين، وهي نوعية لا تحترم نفسها ولا تراثها ولا تاريخها وإنما تحترم ما يريد السيد أن يُحترم. ومقابل ذلك هناك رواتب مجزية ومغريات أخرى مثل الدورات الدراسية والمؤتمرات العالمية وما شابه ذلك.
جنبا إلى جنب الترويج للفكرة عملت هذه المراكز على القيام بدراسات متعددة الجوانب ذات تمويل أمريكي أيضا، وشكلت قناة معلوماتية هامة بالنسبة للمخطط الأمريكي. دراسات لا يقوم بها مجرد مستشرق أو زائر وإنما ابن البلد الذي لا يرى الأشياء فحسب وإنما يفهم تماما الدوافع الكامنة خلفها وأبعادها الاجتماعية والنفسية وانعكاساتها على النسيج الاجتماعي وغير ذلك. إنها دراسات مكسوة باللحم والشحم ولا يمكن أن يتقنها من لم يكن عضوا في المجتمع وناهلا من منابعه التربوية، وهي تشكل أساسا متينا لفهم المجتمع وتيّسر في تخطيط السياسات وتنفيذ القرارات.
يقدم علماؤنا وأكاديميونا معلومات هامة عن الوطن والمواطنين والأحزاب والتنظيمات والتوجهات وغير ذلك من المواضيع الهامة. ربما كانت الولايات المتحدة بحاجة إلى طواقم كبيرة من خبرائها وباحثيها وإلى أموال ضخمة للحصول على مثل هذه المعلومات، وهي الآن لا تحتاج إلا إلى بعض فتات المال تجند بها أبناء الوطن. معلومات دقيقة ومتواصلة يتم تقديمها لها تحت شعار البحث العلمي ودعم المجتمعات النامية وتحسين أحوال الناس. وبهذا أصبح بمقدور الولايات المتحدة أن تحرز تقدما كبيرا في دقة تخطيطاتها حول توجيه الحدث في الوطن العربي وفي التعامل مع مختلف الطروحات وإدارة الأزمات واستغلالها، الخ.
لاحظت من خلال معرفتي بالمراكز الموجودة في فلسطين والتي تخضع لذات السايس والموجه الخارجي الذي تخضع له المراكز الأخرى في الوطن العربي أن القائمين عليها يعملون دائما على استبعاد التاريخ عن نشاطاتهم البحثية والندوية. فهم يقولون للذين يحتكون بهم من الباحثين والدارسين الناشئين أن التاريخ عبارة عن أحداث قد مضت وأن استذكارها وخلطها مع تطلعات المستقبل لا يفيد بشيء وإنما يلحق الضرر بما يتطلبه البحث العلمي من انطلاق بدون قيود. يجب ألا يكون المرء أسير التاريخ أو حبيس انطباعات وقناعات مسبقة، هكذا يقولون ويزيدون بأن العالم قد تجاوز مراحل الأحقاد التاريخية والضغائن والطموحات القومية ومشاعر الاعتزاز بالذات والأمة لصالح التنمية والرفاء الشخصي والعلاقات القائمة على المصالح.
وهذا ما تمت ملاحظته في نشاطات التطبيع التي تبناها هؤلاء المثقفون والسياسيون المتعاونون معهم. شارك هؤلاء في تنظيم رحلات شبابية إلى دول مختلفة بمشاركة شباب وشابات من إسرائيل بهدف إقامة علاقات شخصية تمهد لعملية التطبيع، وأوصوا شباب فلسطين بالابتعاد عن مناقشة التاريخ ذلك لأن اجترار الآلام يفسد الاستمتاع بالرحلات. ولا أشك بأن أمثالهم في الوطن العربي يقومون بذات المهمات خدمة لمتطلبات ما يسمى بالعملية السلمية في المنطقة والتي تخدم بالتالي مصالح أمريكا.
ولاحظتُ أيضا أن هذه المراكز معادية للإسلام في سياسة التوظيف وفي تشكيل استعدادات العاملين فيها. إنها لا تقوم بأبحاث ذات طابع عدائي سافر للإسلام، لكنها تزرع داخل غرفها مشاعر الاستهانة بالقيم الإسلامية وترسخ فكرة ظلامية الإسلام وتخلف طروحاته عن طروحات التنوير والنهوض. وإن عمدت إلى القيام بأبحاث حول الإسلام فإنها لا تركز على ما يطرحه الإسلام من فكر وإنما على سلوكيات المسلمين الآن وعلى الحركات والتنظيمات الإسلامية. والهدف واضح وهو الإساءة إلى الإسلام من خلال سلوكيات غير قويمة ينسبها العامة وبعض رجال الدين إلى الإسلام. وكذلك الكشف عن نوايا وأساليب عمل الحركات والأحزاب التي تتخذ من الإسلام شعارا لها. وحسب رأي أحد الأمريكيين، هذه الأبحاث مهمة في مكافحة ما أسماه بالإرهاب الإسلامي.
هيأ بعض المثقفين والأكاديميين للولايات المتحدة أجواء مريحة لاختراق المجتمع العربي وأصبحت قدرتها على النفاذ إلى التفكير وطريقة الحياة العربية في زمن تكاثر المثقفين أفضل بكثير مما كانت عليه في زمن الجهل. كان يخجل الفلاح البسيط أن يمد يده للمستعمر مصافحا وكان يتوارى ضيقا إذا اضطر أن يكلم عدوا، أما المثقف، وليس كل مثقف، فقد خلع كل الأثواب باسم الواقعية والعقلانية والبحث العلمي ليرتدي ما يشف من اللباس ويحول الوطن إلى عورات مكشوفة.
يجادل مثل هؤلاء المثقفين والأكاديميين بأنهم ليسوا جواسيس ولا يمكن أن يكونوا كذلك من خلال حضور مؤتمر تطبيعي أو كتابة بحث علمي، وأنهم قادرون على كشف مخططات الأعداء وإحباطها بفضل سعة آفاقهم. هذا صحيح إذا كان المقصود بالتجسس مجرد الوشاية وكتابة تقارير شخصية مباشرة لهذه الجهة الاستخبارية أو تلك. لكنهم ينقلون معلومات حيوية لدول لها أهداف معادية للعرب ومصالحهم.
وهم يجادلون بأن المعلومات التي تزخر بها أبحاثهم وأوراقهم العلمية منشورة وليست حكرا على أحد، وبإمكان أي جهة أن تستفيد منها. وبالتالي، حسب قولهم، إنهم يستخدمون الأموال الغربية لإجراء أبحاث يستفيد منها العرب في صنع قراراتهم التي تمكنهم من درء العدوان والمحافظة على مصالحهم. هذا جدل مردود لأن الأنظمة العربية في أغلبها لا تقرأ أبحاثا ولا تهتم بالعلم والعلماء وتتخذ قراراتها على أسس غير علمية، ولأن العرب لا يملكون الوسائل المتطورة والأجهزة الفعالة للاستفادة فعلا من البحث العلمي. تملك الولايات المتحدة الوسائل والرغبة والإرادة على استعمال نتائج البحث العلمي بالطرق التي تعزز مصالحها في المنطقة.
ويبقى الأفضل وطنيا أن يناضل هؤلاء المثقفون من أجل انطلاقة علمية في الوطن العربي بدل تقديم خدمات للأجنبي لقاء فتات من المال.
ألحق هؤلاء الأكاديميون والمثقفون ضررا كبيرا بالأمة العربية وبالأقطار التي ينشطون فيها، لكنهم ليسوا وحدهم الذين يتحملون المسؤولية. تقع المسؤولية الأكبر على الأنظمة التي تعرقل البحث العلمي وتحاول أن تمنعه. لا تتوفر أموال كافية للباحثين والمثقفين العرب، ولا تتوفر لهم أجواء الحرية التي لا يمكن للبحث أن ينطلق بدونها. تقدير العلم والعلماء ما زال ضعيفا في الوطن العربي على المستويين الشعبي والرسمي، وحرية الفكر والرأي ما زالت تعاني من القمع الرسمي والحزبي والاجتماعي. أجواء الضعف والقمع تقود إلى التهاوي وتصنع ثغرات ينفذ من خلالها الطامعون، وعيوبنا عبارة عن بوابات يمر من خلالها الصهاينة والأمريكيون وكل من شاء أن يجعل لنفسه في وطننا مقاما. وبسببها أيضا قرر علماء ومفكرون أفذاذ أن يهجروا الوطن فكانوا نعمة لدول فتحت أمامهم أبواب العمل والتقدير.

- عودة الى الصفحة الرئيسية -