د. يوسف عبدالحق

من الموظفين الإداريين في السلطة لماذا لا نشغلهم في الأرض لينتجوا لنا على الأقل خبز الفقراء ولحومهم من القمح والحمص والعدس ولحوم الحيوانات من الشعير والبيقة، هل نحن في ظل هذه الأوضاع بحاجة إلى اكثر من المعلمين والقضاء والأطباء؟ اما الباقي علينا ان نرسلهم الى الزراعة. ثم أضاف قائلا لقد دخل البلاد خلال السنوات الأخيرة اكثر من مليار ونصف دولار من الدول المانحة وفي تقديري مثلها من الدعم العربي، ان هذا المبلغ حتى وفقا لتقديراتك يمكن أن يزيد الأرض المزروعة بهذه الحبوب إلى النصف أي (260) الف دونم وبالتالي سيزداد الإنتاج بمقدار النصف، وهذا يعني أننا نخفض نسبة الفقر بمقدار النصف حيث ان معظم الفقر يتركز في الأرياف. ثم إنني لا أتحدث عن السنوات الأخيرة بل أتحدث عن طيلة استلام السلطة الفلسطينية، لماذا تركت هذا الأمر مهمشا، لماذا لم تعمل بجد في هذا المجال، لماذا راينا اثر السلطة في الابينة والمكاتب والفنادق، الم تكن تعلم بأننا لا زلنا نعيش الاحتلال بكل أبعاده، بل لماذا لم تستيقظ منذ بداية الانتفاضة، لماذا انتم المثقفون والأكاديميون والمتخصصون ساكتون،لماذا لم يتم تأسيس مصرف زراعي منذ اليوم الأول، لماذا مخصصات القطاع الزراعي لا يتجاوز في احسن أحوالها 2% من مساعدات الدول المانحة، لماذا نهمل الأرض بالرغم من أن جوهر مشكلتنا هي الأرض؟ لماذا لم نؤسس مؤسسة كفوءه للتسويق على نمط (غريكسكو) الإسرائيلية؟ من منعنا من القيام بذلك؟ من المسؤول عن ذلك؟ أم أن الأرض باتت لدينا مثل الإنسان لا أهمية لها رغم صراخنا وعويلنا؟
هنا لم أجد في نفسي الجرأة على مواجهة هذه الحقائق سوى أن انهي حديثي معه مازحا، فعلا انك كما قالوا عنك مجنون الأرض واستودعته كما استقبلته بالحب والتقدير.

في الأسبوع الماضي مر بي، وبادرني كعادته بالسؤال عن أحوالي ثم دخل مباشرة في الموضوع فقال قرأت في الفترة الأخيرة بحثا للأستاذ احمد محمود القاسم عن أهمية الزراعة في مجلة (آفاق) ولأنني كما تعلم لست ضليعا في بواطن الأمور وفلسفتها فإنني أتنطح مباشرة لما بتعلق بمعيشتي اليومية كمزارع بسيط نال قسطا من التعليم والثقافة ويعيش على الأرض. قلت له هات ما عندك فأنا أفهمك، أجاب بصوت متحد: ورد في البحث المذكور إننا ننتح فقط اقل من 8% من استهلاكنا من القمح والعدس، 20% من الشعير والحمص و14% من البيقة، أجبته: هذا صحيح في الغالب، فقال لي اعرف ذلك لان الباحث اعتمد على تقارير وزارة الزراعة، لكن الذي اسأله كيف يستمر هذا الوضع ونحن نعيش بأغلبية ساحقة تصل إلى اكثر من 75% تحت خط الفقر وبطالة مستفحلة تتجاوز 60%، أليست الزراعة مجالا مفتوحا لمعالجة هذه الأمور.
ابتسمت قليلا فظن إنني اسخر منه، فقال لي يبدو انك يا خالي أصبحت منهم، فسألته ماذا تقصد، فأجاب قائلا وهو يهم بالمغادرة، أولئك الذين ابتعدوا بأذهانهم عن واقعنا ويعيشون اليوم لعبة الكراسي فيما نحن نتصور جوعا، فأمسكت به وحلفت عليه أن يواصل حديثة، قال لي إذن اجبني على سؤالي الأول :
حينها اضطررت للحديث المفصل معه قائلا ان العمل في الأرض يستلزم استثمارات طويلة الآجل سواء في استصلاح الأراضي او في المعدات الزراعية او في التسويق وهو ما ليس متوفرا في سلطتنا الفلسطينية، فاستصلاح الدونم قد يكلف في حده الأدنى (10) آلاف دولار ثم .... فقاطعني قائلا اعلم ذلك اكثر منك لأنني أعيش مع الأرض ولكن ماذا يعمل هذا الجيش

- عودة الى الصفحة الرئيسية -